اكتشف أسرار تكاثر السلاحف البحرية، من سلوكيات التزاوج إلى التعشيش ووضع البيض على الشواطئ. وأبرز ما توصلت إليه الدراسات حول دورة حياة السلاحف البحرية.
في هذا الجزء من سلسلة مقالاتنا عن السلاحف البحرية، نستعرض معلومات شاملة حول التكاثر في السلاحف البحرية، بدءًا من سلوكيات التزاوج وحتى التعشيش ووضع البيض. ولمن لم يطّلع على الأجزاء السابقة، ننصح بالرجوع إليها لمتابعة السياق الكامل:
الجزء الأول: (معلومات عن السلاحف البحرية)
الجزء الثاني: (أنواع السلاحف البحرية)
الجزء الثالث: وبه نعرف كيفية (تحديد الذكر والأنثى في السلاحف البحرية)
السلاحف البحرية كائنات تميل إلى العزلة، ولا يحدث تواصل ملحوظ بينها إلا في فترات التزاوج. وتبدأ التجمعات بالظهور خاصةً خلال موسم التعشيش، حيث تتوجه الإناث إلى الشواطئ من أجل وضع البيض، بينما تقضي معظم حياتها مغمورة تحت سطح البحر.
ورغم أن الدراسات العلمية حول هذه الكائنات ليست كافية، فإن سنوات طويلة من المراقبة منحت الباحثين معرفة أعمق عن أنشطة وسلوكيات السلاحف البحرية، مثل طقوس التزاوج، وطرق التعشيش، ودورات وضع البيض، وهي ما سنتناوله في هذا المقال بالتفصيل.
- خلال موسم التزاوج، تقوم الذكور بطقوس المغازلة عن طريق مسح رؤوس الإناث بأطرافهم الأمامية أو عض رقبتهم وزعانفهم الخلفية. وإذا لم تهرب الأنثى وقبلت التزاوج يقوم الذكر بلصق نفسه والوقوف على الجزء الخلفي من صدفة الأنثى. وبعد الإمساك بها بواسطة المخالب الموجودة في الزعانف الأمامية، يطوي الذكر ذيله الكبير تحت الأنثى للتزاوج.
- الإناث التي تمت ملاحظتها بعد التزاوج غالبًا ما تكون أصدافهم بها خدوش بسبب تعلق الذكور بأصدافهم.
- يمكن أن يحدث التزاوج بين الذكر والأنثى على السطح أو تحت الماء. ويتنافس العديد من الذكور على الإناث وقد يحدث شجار فيما بينهم.
- قد تتزاوج الأنثى مع عدة ذكور قبل موسم وضع البيض وتخزن الحيوانات المنوية لعدة أشهر. وعندما تضع الأنثى البيض، يكون قد تم تخصيبه من قبل مجموعة متنوعة من الذكور. قد يساعد هذا السلوك في الحفاظ على تنوع جيني مرتفع في السلاحف.
تعود معظم الإناث إلى نفس الشاطئ في كل مرة تكون فيها على استعداد لوضع البض. لا يعرف العلماء سوي القليل عن سبب تفضيل نوع من السلاحف البحرية شواطئ معينة دون غيرها. قد تكون بسبب عوامل كانت موجودة من مئات السنين، متعلقة بدرجات الحرارة أو ملامح الشاطئ أو عدم وجود حيوانات مفترسة في هذه المناطق لذلك تفضلها السلاحف البحرية عن غيرها. والأن أصبح للبشر دور مؤثر على تعشيش السلاحف، فقد أثرت المداخل والموانئ البحرية وتحديث شكل الشواطئ على بيئة التعشيش. فلو تم منع عمل تعديلات في هذه الأماكن من قبل البشر، كلما أمكن حماية بيئة السلاحف وبالتالي عدم حدوث تناقص مستمر في أعدادها.
عندما تريد الإناث أن تضع بيضها فإنها تزحف خارج المحيط وقد يحدث ذلك غالبًا في الليل، وتستكشف المكان بعناية. أحيانا بعد أن تزحف إلى الشاطئ، قد تقرر عدم وضع البيض. ويمكن أن يحدث بشكل طبيعي أو بسبب الإضاءة أو وجود أشخاص على الشاطئ. على الرغم من أن بعض الأنواع قد تضع البيض مرة واحدة فقط، ولكن معظم الإناث قد تضع بيضها مرتين خلال موسم التعشيش.
بعد أن تري الأنثى أن الوقت والمكان مناسب لوضع البيض فإنها تبدأ في حفر العش. وتقوم بقذف الرمال وعمل تجويف بواسطة زعانفها الخلفية مع تدوير جسمها. وبعد الانتهاء من تشكيل حفرة بعمق يناسب بيضها والتي تكون تقريبا شبه قطرة الماء وبه بعض الميل، أصبح العش جاهز لاستقبال البيض.
- تبدأ الأنثى في وضع البيض وقد تسقط بيضتان أو ثلاث بيضات في المرة الواحدة، مع إفراز مخاط يسهل عملية وضع البيض. قد تضع الأنثى كمية من 80 إلى 120 بيضة، اعتمادًا على النوع.
- لا ينكسر البيض عند سقوطه في العش لأن البيض مرن. وتسمح مرونة البيض بحمل المزيد منه داخل العش.
- من غير المرجح أن تتخلى السلاحف البحرية عن وضع بيضها، لكن بعض السلاحف قد تجهض هذه العملية إذا تعرضت للمضايقة أو شعرت أنها في خطر. لذلك، من المهم عدم إزعاج السلاحف البحرية أثناء التعشيش.
- بمجرد وضع كل البيض في العش، تستخدم الأنثى زعانفها الخلفية لدفع الرمل فوق تجويف البيض. تدريجيًا، ثم تبدأ في استخدام زعانفها الأمامية لإكمال ملء الحفرة وإخفاء العش. من خلال رمي الرمل في جميع الاتجاهات، مما يصعب على الحيوانات المفترسة العثور على البيض.
- بعد إخفاء العش تمامًا، ترجع الأنثى زحفا عائدة إلى البحر ولا تعود لرعاية البيض.
- المدة التي يحتاجها بيض السلاحف البحرية حتى يتطور ويحدث الفقس حوالي شهرين. وطبقا لدرجة حرارة العش يتحدد جنس جنين السلاحف، يعني أن درجة الحرارة التي تتعرض لها كل بيضة خلال فترات معينة تحدد جنس الجنين داخل هذه البيضة حتى الفقس.
- في داخل عش بيض السلاحف البحرية، تنتج الإناث من البيض الذي تعرض لدفء أكثر بينما ينتج الذكور من البيض الذي تعرض لدفء أقل. يعني درجة حرارة العش هي التي تتحكم في تحديد جنس الجنين. العش الذي تتأرجح حرارته بين دافئة إلي أقل تدفئة ينتج عنه صغار ذكور وإناث، وغالبا يكون البيض في أسفل العش ذكور لأن المنطقة العميقة تكون أقل دفء.
- مثل باقي السلاحف تستخدم الأجنة سن مدبب "سن ثانوي" مؤقت لكسر القشرة للخروج من البيضة.
- بمجرد حدوث فقس في أول بيضة، لن يمر وقت طويل حتى يفقس البيض كله داخل العش. وخروج الصغار من البيض موضح بالتفصيل هنا،
كيف يخرج صغير السلحفاة من البيضة
- قد تستغرق عملية خروج الصغار من العش عدة أيام. عادة ما تنتظر الصغار حتى حلول الليل قبل أن الخروج من العش لتجنب الحيوانات المفترسة والإجهاد الحراري نهارا.
صورة لخروج صغار السلاحف من العش بعد الفقس
- بمجرد أن يقرروا الخروج من العش يتحركوا كمجموعة، ثم تندفع نحو البحر.
صورة اندفاع صغار السلاحف البحرية في اتجاه البحر
- الصغار الذين يفقسوا في الجزء السفلي من العش يلاقوا صعوبة في الصعود والخروج من العش لأنه لا توجد صغار متبقية تمنحهم دفعة لأعلى.
- بعد عبور الشاطئ، على الصغار أن تجد المحيط بأسرع ما يمكن. السلاحف البحرية هي سلحفاة ضوئية (أي أنها تنجذب إلى الضوء). سوف تستخدم الصغار ألمع مصدر للضوء للتحرك نحو المحيط وعادة ما يكون ضوء القمر المنعكس عن مياه البحر.
- بمجرد فقس البيض، على الصغار شق طريقهم في رحلة محفوفة بالمخاطر عبر رمال الشاطئ وتجنب سرطانات البحر أو الكلاب أو الراكون. وبعد الوصول لبداية المياه عليهم السباحة بخطى مسرعة للهروب من الحيوانات المفترسة البحرية مثل الأسماك والطيور البحرية وأسماك القرش، فهم في سباق حتى يصلوا إلى المياه المفتوحة.
- تُعد رحلة التكاثر في السلاحف البحرية من أكثر المراحل إثارة في دورة حياتها. حيث تهاجر لمسافات طويلة لتعود إلى شواطئ التعشيش في موسم وضع البيض، وغالبًا ما يتم ذلك ليلًا لتجنب حرارة النهار والمخاطر.
- عند وصولها إلى الشاطئ، تبذل الأنثى مجهودًا كبيرًا مستخدمة زعانفها لتتحرك على الرمال، ثم تبدأ في حفر عش بعمق يقارب 80 سم باستخدام الزعانف الخلفية. وتستمر في إزالة الرمال إلى أحد الجوانب حتى تصل إلى أقصى عمق ممكن، ثم تضبط وضعيتها وتخفض ذيلها لتبدأ عملية وضع البيض.
- خلال هذه العملية، تنفصل الأنثى عن محيطها وتضع البيض على دفعات (بيضتين أو ثلاث في المرة الواحدة). ويكون حجم البيضة مقاربًا لحجم كرة تنس الطاولة مع قشرة رقيقة طرية. وقد يصل عدد البيوض في العش الواحد إلى نحو 100 بيضة، ويختلف العدد تبعًا لنوع السلحفاة البحرية.
- بعد انتهاء وضع البيض، تقوم الأنثى بتغطية العش بعناية وتمويهه باستخدام زعانفها بطريقة تشبه حركة مسّاحات الزجاج، ثم تعود إلى البحر تاركة البيض ليخضع لمرحلة الحضانة الطبيعية.
- تستمر فترة حضانة بيض السلاحف البحرية داخل العش نحو 60 يومًا. وتلعب درجة حرارة الرمال دورًا حاسمًا في تطور الأجنة وتحديد جنسها؛ حيث تؤدي الرمال الباردة إلى إنتاج عدد أكبر من الذكور، بينما تساهم الرمال الدافئة في ولادة عدد أكبر من الإناث
خاتمة
يمثل التكاثر في السلاحف البحرية رحلة بقاء مدهشة، تبدأ بالهجرة لمسافات طويلة وتنتهي بالتعشيش ووضع البيض على الشواطئ. ورغم المخاطر التي تواجه البيض والصغار، فإن استمرار هذه الدورة الطبيعية يؤكد أهمية حماية مواطن السلاحف البحرية للحفاظ عليها من الانقراض وضمان بقائها في المحيطات.
مقالات ذات صلة
كيف يتغذى جنين السلحفاة داخل البيضة وكيف يخرج منها
طريقة تحضين بيض السلاحف والعناية به
دليل تكاثر السلاحف البرمائية والتعشيش الناجح
تكاثر سلاحف المستنقعات السوداء
تكاثر سلاحف أفريقيا ذات الخوذة ورعاية الصغار
تكاثر سلاحف قزوين والتمييز بين الذكر والأنثى